ابن الجوزي
تصدير 1
لقط المنافع في علم الطب
[ مقدمات التحقيق ] تصدير بقلم : أ . د . أحمد فؤاد باشا بسم اللّه الرحمن الرحيم ، الحمد للّه رب العالمين ، والصلاة والسّلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد النبي الأمى ، العربي الصادق الأمين ، وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين . . أما بعد فإن تاريخ العلم والحضارة الإنسانية ليشهد ، بما لا يدع مجالا للشك ، بأن حضارتنا العربية الإسلامية كانت مصدر الإشعاع الوحيد الذي غمر بنوره جلّ الجزء المعمور من الأرض إبان العصور الوسطى ، ولا تزال آثارها ومؤلفات علمائها خير شاهد على دورها المتميز في مسيرة التقدم العلمي والتقنيى . وفي مجال الطب والصيدلة كان لعلماء الحضارة الإسلامية القدح المعلّى ، سواء في فن الترجمة والتأليف ، أو في اتباع المنهج العلمي السليم ، أو في السبق إلى العديد من الاكتشافات التي قامت عليها العلوم الطبية والصيدلية الحديثة ، ولا يزال العالم ينعم بثمارها وفوائدها حتى اليوم . وإذا كانت نظرية الأخلاط الأربعة أحد المبادئ العامة المشتركة في فلسفة العلاج عند الإغريق ، وأطباء وصيادلة المسلمين ، إلا أن مسلّمات هذه النظرية عند الإغريق كانت تستند إلى مبدأ محاكاة الطبيعة فيما أسموه " القوة الطبيعية الشافية " Vis Medicatrix Naturae ، ولذا فإنهم حذروا الطبيب من التسرع في التدخل في سير المرض ؛ خوفا من أن يحول دون عمل الطبيعة . وهذه الفلسفة المادية يقابلها عند المسلمين مبدأ عقلانى إيماني يستمد أصوله من الإسلام ، إسلام القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، فيعزى القوة الشافية إلى الخالق الواحد القائل في محكم التنزيل : وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( سورة الشعراء : 80 ) .